عبد الملك الجويني
361
الشامل في أصول الدين
وإذا ثبت ذلك ، استحال قادر بها ، من حيث استحال قيام معنى معدوم بمعدوم أو موجود . وهذا الذي ذكروه دعوى أخرى ، وقد ألزمناهم في صدر الكتاب عند ردنا عليهم في قولهم المعدوم شيء - أن يحكموا بقيام الأعراض في العدم بالجواهر ؛ ولم يجدوا لهم عما التزموه مهربا . على أنا نقول : أكثر ما في الباب أن نسلم لكم امتناع قيام القدرة المعدومة بمحل في عدمها . فبم تنكرون ، مع تسليم ذلك ، على من يقل لكم : إنها وإن لم تقم بمحل يقتضي لبعض المحال كونه قادرا بها ؟ وهذا نحو ما قلتموه في الإرادة الثابتة في غير محل . فإنكم زعمتم أن القديم مريدا بها ، ولم تنزجروا عن معتقدكم لما قيل لكم : إذا كانت الإرادة في غير محل ، فلا اختصاص لها ببعض الذوات دون بعض ، وكان من قولكم في روم الانفصال عن السؤال : أن الإرادة الثابتة في غير محل تختص باقتضاء الحكم للقديم لصفة الإرادة عليها ، وهي توجب لها الاختصاص . ثم قيل لكم : لما اطردتم مثل ذلك في الفناء ، وجوزتم أن يخلق اللّه تعالى فناء مختصا ببعض الجواهر ، فزعمتم أن ذلك محال وأوجبتم فناء جملة الجواهر وعدمها بجزء واحد من الفناء ، واعتللتم في ذلك بأن الفناء لا اختصاص له ببعض الجواهر ، وهذا نقض لما أطلقوه في الإرادة ، فأنّى يستقيم لكم ، مع هذا الخبط ، ما طولبتم به من الدليل على أن القدرة المعدومة لا تتعلق بمقدور ؟ وهلا قلتم أنها تختص ببعض القادرين ، بصفة هي نفسها عليها ، توجب لها الاختصاص ببعض القادرين ؟ والذي يحقق الإلزام ، ويعضد هذا الكلام ، أن نقول : القدرة عندكم لا تتعلق إلا بمعدوم . فإذا وجد المقدور انقطعت القدرة عنه ، ولم تتعلق به في أول حال حدوثه . فإذا لم يبعد من أصلكم أن يكون المعدوم مقدورا دون الموجود ، وإن كان المعلوم لا اختصاص له ، فلا يبعد مثل ذلك في القدرة . فإن المقدور في الافتقار إلى التخصيص في كونه متعلقا ، كالقدرة في كونها متعلقة فإذا لم تبعدوا واعدم المقدور واستحالة كونه موجودا ، فلا تبعدوا عدم القدرة . ولو أنصفتم القياس ووفيتموه حقه لقلتم : القدرة تتعلق بالمقدور وهي معدومة ، وذلك قبل وجود القدرة بحال واحدة ، كما أن المعدوم المقدور : هو المتقدم على الوجود بحالة واحدة . فكان ينبغي أن تقولوا : يقارن عدم القدرة مع تعلقها عدم المقدور ، ثم يعقب ذلك وجود المقدور ، كما يوجد المقدور بوجود القدرة معه من غير تعلق بينهما . فإن قالوا : لو اقتضت القدرة المعدومة أن يكون شيء قادرا بها ، لاقتضى العجز المعدوم كون ذلك الذي قدرناه قادرا عاجزا بالعجز المعدوم . إذ ليس العجز باقتضاء الحكم ، أولى من القدرة ، وليست القدرة أولى منه . وهذا الذي ذكروه مما قدمنا الجواب عنه ، حيث قلنا : لا يمتنع على أصلكم اختصاص القدرة بصفة توجب الاختصاص ببعض القادرين ، وإن لم تثبت تلك الصفة للعجز . وهذا